الحلبي

379

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

زمزم بالدلو ، قيل وهو قائم ، وقيل وهو على بعير ، والذي نزع له الدلو عمه العباس بن عبد المطلب » أي وفعل ذلك عند فتح مكة أيضا كما تقدم ، وقيل لما شرب صلى اللّه عليه وسلم صب منه على رأسه الشريف . وعن ابن جريج : « أنه صلى اللّه عليه وسلم نزع الدلو لنفسه » . وقيل إن هذا يخالف ما تقدم من قوله : « لولا أن الناس يتخذونه نسكا لنزعت » ومن قوله يوم فتح مكة : « لولا أن تغلب بنو عبد المطلب لنزعت منها ، ثم رجع صلى اللّه عليه وسلم إلى منى فصلى بها الظهر » كما اتفق عليه الشيخان ، وقيل صلاة بمكة وبه انفرد مسلم ورحج بأمور . وجمع بينهما بأنه يجوز أن يكون صلى الظهر بمكة أول الوقت ثم رجع إلى منى فصلاها مرة أخرى بأصحابه ، أي الذين تخلفوا عنه بمنى ، فإنه صلى اللّه عليه وسلم وجدهم ينتظرونه ، فهي له صلى اللّه عليه وسلم معادة . قال بعضهم : وهذا مشكل على من لم يجوّز الإعادة . وعورض هذا بأنه صلى اللّه عليه وسلم في ذلك اليوم رمى جمرة العقبة ونحر ثلاثا وستين بدنة ، ونحر علي كرّم اللّه وجهه بقية المائة ، وأخذ من كل بدنة بضعة ، ووضعت في قدر وطبخت حتى نضجت ، فأكل من ذلك اللحم وشرب من مرقه ، وحلق رأسه ، ولبس وتطيب وخطب فكيف يمكن أن يكون صلى اللّه عليه وسلم صلى الظهر بمكة أول الوقت ، ويعود إلى منى في وقت الظهر . على أن عائشة رضي اللّه تعالى عنها قالت : « أفاض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر ، ثم رجع إلى منى » رواه أبو داود . وأجيب بأن النهار كان طويلا فلا يضر صدور أفعال منه صلى اللّه عليه وسلم كثيرة في صدر ذلك اليوم . على أن ابن كثير رحمه اللّه ، قال : لست أدري أن خطبته صلى اللّه عليه وسلم ذلك اليوم أكانت قبل ذهابه أو بعد رجوعه إلى منى ؟ . وأما رواية عائشة رضي اللّه تعالى عنها المقتضية لكونه صلى اللّه عليه وسلم صلى الظهر بمنى قبل أن يذهب إلى البيت . فأجاب بعضهم عنها بأنها ليست نصا في ذلك بل تحتمل فليتأمل . فإن قيل : روى البخاري وأهل السنن الأربعة : « أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أخّر الزيارة إلى الليل » وفي لفظ : « زار ليلا » قلنا المراد بالزيارة زيارة مجيئه ، لا طواف الزيارة الذي هو طواف الإفاضة . فقد روى البيهقي : « أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يزور البيت كل ليلة من ليالي منى » وهو قول عروة بن الزبير إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أخر الطواف يوم النحر إلى الليل ، فقد أخذه من